2018-05-01

250 خطوة


250 خطوة بالكمال حول المبنى، أخطوها كل يوم ثلاث مرات على الأقل.. أزيل بها بعضا من الااضطراب، وشيئا من الخوف، والكثير من الغربة. 
الزوايا الحادة للمباني تشعرني بالقلق. المربعات والمكعبات والمستطيلات، تُملي عليّ ألا اطمئن لوجع عابر في منتصف الصدر، أو لكُحّة استمرت لبضعة أيام، أو لطعم نحاسي المذاق ف اللعاب.
قال لي وهو يحاورني: "نحن لا نبوح بأسرارنا خشية أن نعطيها صفة الحدوث. نخفيها حتى عن آذاننا ونقنع أنفسنا بأن الله لا يراها". 
ورثت الخوف من إغلاق باب الحمام عليّ من امرأة عجوز، ملأتْ عقلَها حواديت بلدنا وأحاديث قاطنيه عن الموت الذي يأتي فجأة في أبعد الأماكن توقعا، وأغربها.
بلدتنا الصغيرة المعروفة بوفاة صغارها، تقطن أعلى النيل، ساكنة، تنتظر في قلق، عودة من ودعوها إلى البحر.
تسألني الصغيرة: "بابا آر يو سوبر هيرو؟".. أنا أبعد مما تتخيلين! فالسوبر هيروز لا يعانون البواسير، ولا اختناق الصدر.. ولا يخشون لقاء أقرب الأقربين. جنازاتهم تليق بهم.. في كواكب أخرى ومجرات نائية.. على كريبتون وآزجارد، وهم يحاربون ثانوس أو لوسيفر، لا تطاردهم فوبيا لا يعرفون لها اسما ولا يحاربون مجهولا يعرفون له سببا.. صغيرتي، السوبرهيروز لا يخافون الماء.

#على_سفر

2017-05-19

الدنيا صغيرة

تلك الموسيقى الخفيّة بينكما، رسائل مسروقة من الزمن. علّات الروح وعطب القلب ووجع الظهر وألم الجلوس، كأنها لم تكن، ولن تكون الآن. 

"افتكريني.. 
أصل مسافر
مش عايزة تقولي حاجة قبل ما أمشي؟ 
هنروح بلاد ونعدي جبال.. وحنتقابل من غير ميعاد..
الدنيا صُغيّرة..
افتكريني..
خدي عنواني.. 
يمكن نتقابل تاني.. "
صوت حسين الإمام المكرر، بجيتاره الخفيف، يهمس في خلفية رأسي، الدرويش المسافر في الباص، يصرخ ألّا شيء يعجبه.. 
"لا الراديو ولا صُحُف الصباح، ولا القلاع على التلال.. ولكني تعبتُ من السِّفَرْ".
تعبت من التعب. 

صديق المقعد، يسألني عن وجهته إن اقتربت. أنا لا أعلم من أين جئت، ولكني أتيت. 

ثلاث نقاط رمادية تتراقص على خلفية الماسنجر البيضاء. كلمة "seen" تؤكد مجددا أن "الدنيا صغيرة". 

مؤخرا، فقدت القدرة على ملء فراغات أحلام الحافلة. قلبي على سفر، فأنّى له الماء؟ وكيف يحل له الصيام؟! تقاوم ليلاً، لتملأ صمت العقل والقلب. لا تريد النوم ولا الحديث، وقلبك صار مثقلاً بحديث مكتوم. 
أحياناً تجيب على جُمل أبطال أفلامك بصوت عال ليلاً، وتضبط نفسك تحدث دخان سجائرك في المطبخ، لتحاول مجددا ملء السكون.
الوحدة قاتلة. 
الانعزال سام. 
الصمت مُبكٍ. 

صديق العمل، يقول لي ممتعضاً: "افصل يا بني، حرام عليك" فأزيد. لا أتحدث كثيرا في العادة.. في الحقيقة، لا أتحدث مطلقاً. صديقي لا يدري مقدار "جميله" لي، فيتركني أُكمل. 

خواء.. فراغ.. عدم..

صغيرا، كنت أحلم أن أكون كريستوفر مكاندليس، أتيه في القفار بعيداً عن البشر، حتى أصير مُصمتاً غير خاوٍ. والآن يتضح لي أنني أجّلت حتى ابتعدت، فابتلعتني الحياة. حلم الوحدة مؤلم والهرب إلى البرية لم يعد مجدياً الآن. 

أتذكر العود، النائم فوق دولاب ملابسي، أعيد تأجيل حلم تعلمه مرة أخرى.. أتثاءب.. الظلام في عيني يصير أكثر ثقلا.. صديق الحافلة يستأذن للنزول.. أستسلم لصوت كريستوفر مكاندليس، مرة أخرى وهو يعزف لي على الجيتار داخل "كارافان" وسط ثلوج ألاسكا: 
"افتكريني.. 
وحنتقابل من غير ميعاد..
م الدنيا صغيرة.. دي الدنيا صغيرة.."




2017-04-01

يا غريب في الكون يا قلبي

الساعة الآن العاشرة مساءً، تأخرت على موعد الحافلة، فنامت مارية مجدداً، ولن أراها اليوم أيضاً كالعادة.
150 كيلومتراً + بضع إشارات مرور والزحمة المعتادة. المجموع الكلي مقسوماً على سرعة 80 كيلومترا في الساعة، مطروحاً من العمر كل يوم مرتين، والكل مضروباً في إنهاك الجلوس والسفر والعمل، لينتج لك في النهاية بقايا إنسان.
"سكرول.. نافذة.. حافلة.. تذاكر.. عمل.. سفر.. ظلام.. سيارات.. نائمون.. أحلام.. صمت.. موسيقى.. كتابة.. سكرول.. تأمل.. أبراج.. نيام.. مقاعد.. سكرول.. إرهاق.. ملل.. سكرول.. هاتف.. سكرول.. هاتف.. سكرول.. هاتف".
أجلس دائما إلى جوار النافذة، لا أرى شيئا. أستند بجبهتي إلى راحة يدي اليسرى، أتطلع إلى شاشة الهاتف، أبحث عن أشياء لا أعرفها، لأقرأ كلمات من لا أراهم، وأُبدي دهشتي تجاه أشياء لم تحدث خارج هاتفي. أرفع رأسي بين الحين والآخر لأحسب الوقت. زميل الحافلة يتحرك ليعدّل وضع نومته، وأنا لا أجد شيئاً يستحق المتابعة لأذهب بعيداً عن ألم المقعدة وثنية الظهر وطنين الموتور. "من يوقف في رأسي الطواحين".
ريما خشيش تغني لشخص ما "أحبك ياني، وأخاف تنساني آه ياني آه ياني". تتساءل عما يكون الحب، ولا تدري هي الأخرى، فتعود إلى الحيرة.. محمود عبدالعزيز يؤكد أن الهاشا باشا تك.. فالقلب من هواكا بيعمل تيكا تك، فيبلغ به الأمر أشده، ويصرخ: "لو كان القلب خالي.. مكانش ده جرالي.. ولا كنت أجري وراكا ولا أبعت حد لك".
20 دقيقة الآن بعد منتصف الليل، وأنا ما زلت مسافرا/جالسا/ساهما/شريدا في ظلام الطرقات. حنان ماضي، تعنفني: "يا غريب ف الكون يا قلبي.. ياللي حاير ف الدروب..".
رسائل هاتفي تعلن انتهاء الـ128 دقيقة اليومية الخاصة بي. أعاود النظر إلى السيارات المسرعة إلى جواري، لم أتخط عربة واحدة، فأنا أسير ببطء. زكي ناصيف، يودع شحن الهاتف "خلّي الهوى مكتوم ف قلوبنا.. إلا الهوى ما عاد في عِنّا.. بكرة النحل بيحوم ع طيوبنا، من زهر ينبت وين ما كنا". أتذكر الصباح وإرهاق السفر مجددا.. أعاود الحساب لعلّي أخطأت، فتأتي النتيجة دائماً: "ويتوب علينا م الخدمة ف البيوت..ويتوب علينا م الخدمة ف البيوت".

دراكولا

لم ألحق اليوم الحافلة، فأخبرت زوجتي، بتأخري قليلاً - ساعة- عن موعد عودتي المعتاد. لجأت إلى سماعتي الأذن، طلبا لبعض الموسيقى.
أعشق انعكاسات الأشياء على المرايا، على زجاج طاولة الاجتماعات، على النوافذ، على كل الأشياء. دائماً، تجذبني الظلال والخيالات، لا أستطيع مقاومتها. أضبط نفسي كل أسبوع أحدق في انعكاسات وجوه زملائي الجالسين أمامي، على زجاج الطاولة، أتأمل أشكالهم المرسومة إلى جوار الأكواب، أقاوم إخراج هاتفي والتقاط ما تراه عيناي، فأعتدل في جلستي، لتشتيت خيالاتهم.
أحب الساعة السادسة. سماء زرقاء تشوبها الحُمرة، تودع شتاءها، بزخات سحب خجول. نقاط سوداء بعيدة ترتحل في أسراب. توتر العصافير يطغى على كل صوت.
أعاني دوماً للتركيز في ذلك الوقت.
جميلة أنت، كسماء الساعة السادسة، وسجائر الساعة السادسة ونسائم السادسة. خفيفة أنت كأصدقاء السادسة. تأنس بصحبتهم، بلا كلمة. أرى خلال صمتهم ضحكات عمرهم وذكرياته وألحان وصالهم وخبرة أهاليهم في الحياة. سرائر هادئة وملامح تتنهد وأفراح تتشكل.
أرى في السماء انعكاسات الحب والأهل والحياة والوهم. أملأ عقلي بتفاصيل جديدة ومغامرات لبطل أحلام الحافلة الجديد، وأنتظر رؤياها الليلة.
الضوء المبهر يؤذي أعين الكائنات الليلية، وأنا منهم. خالتي تقول لي: "شبه الوطاويط، طول الليل بتطير، ولما الفجر يدّن تجري على جحورها". أليس ذلك أقرب لدراكولا الذي لا يملك انعكاسا في مرآته؟ تساءلت.
وجيه عزيز، يباغتني: "قلت أبص في المراية، يمكن أكون احلوّيت.. فضلت داير أبص، ما خلتش ولا مراية في البيت". تمر أمامي إحدى الحافلات فأرى رأسي بعد الحلاقة، لأكمل الأغنية: "يا ريتني ما كان عندي مراية.. يا ريتني ما بصيت".
الحافلة تضيء أنوارها الداخلية بقوة، لا أستطيع رؤية انعكاسي في زجاج النافذة المجاورة. بطل أحلامي لم يعلن عن نفسه بعد. أحاول النوم، يهمس لي علي الحجار: "بحبك وانطلق عصفور.." أبتسم. يأتيني من بعيد، وأنا على مشارف الغفوة، صدى صوته ضعيفاً: "وصار يجري وينسااااااني.. ".

2017-03-25

300 كيلومتر

تفصلنا 150 كيلومترا من العذاب والآلام والزحام والمطر. 300 من الكيلومترات أقطعها يومياً في سبيل الوصول. مشتت بين الأرصفة والقضايا والعناوين التي لا أملكها، وتملكني. ممزق بين سطرين وتكرار كلمتين، وعدد أحرف محدد. بين قلب تعب، وعمود فقري يبغي "الطأطأة" ومقعدة نالها الورم من طيلة الجلوس.
والغاوون الغاوون، يتبعون ما توحي به الدلالات، وما بين الأسطر. فكيف الهروب.
يأتيني صوت الهاتف ليلة شتاء رعدية: "يا غريب عن ديارك مصيرك تعود"، فيردد الكورال بلهجة آمرة:" ارجع يا غريب.. ارجع يا غريب".
الضوء الأزرق المشوب بالصُفرة المتسارعة، يسابقني إلى النوم. عيناي تشخصان إلى الناطحات على الجانب الأيسر من الطريق.. سحب مثقلة بالغيوم، سيارات تسابق ظلها، أضواء إعلانات تزيد أثر دوار الحركة، جمل غير مكتملة، قصص مفتوحة النهايات، إظلام تدريجي في البقعة التي تغفلها صباحا في نومك.
تخيلت قصصا لا تنتهي، لأولئك النائمين حولي. فهذا الآسيوي، مثلا، جاء للنزهة، وتلك الإثيوبية السمراء جاءت بحثاً عن أمل وعمل. ذاك السائق ترك حلمه البوليوودي وانتصاراته الأسطورية على الأشرار حين ارتحل. والعجوز النائم إلى جواري يستعيد الآن حياته التائهة بين جنبات الغربة. كل يوم أبدأ بشخص ما، وأنسج حبكة درامية له، وأغمض عينيّ لأراها طوال الساعتين ونصف الساعة يومياً، أترك عقلي الباطن يملأ فراغاتها بما يختزنه، أصحو بعد تتر النهاية، فأجد أبطالي اليوميين يستعدون للنزول.

بلاي ليست

بقايا رؤوس تظهر أمامي.. نور أزرق خافت يليق بليل الغربة، أضواء صفراء من النافذة تسرع لتلحق بالماضي، وأنا وحيد مع سماعة الأذن وسط الزحام، أقاوم ساعتين ونصف الساعة من السفر اليومي.
"إن جئت بابك عاجزاً، أنا لست أملك غير ذاك".. صوت الشيخ يصدح في الأوبرا، وصداه يتردد بقوة.
ارتفاعات الأبراج على جانبي الطريق، تناطح الظلام، أضواؤها تطل خافتة من خلف السحب، ليأتي لحن حسين الإمام في "العالي العالي يابا" في خلفية المشهد. سيمون، تغيظني: "اسهر بقى لوحدك"، فهي لا تحب السهر. 
"طب والعمل؟" يظهر التساؤل كبيراً كلما أغمضت عينيّ، والإجابة تأتي قاطعة: "ده الحل الأفضل حالياً".
"صار لي شي مِية سني عم ألّف عناوين.. مش معروفة لمين.." فيروز تصفني بكلمتين والرحابنة يختصران حياتي المهنية في عزف حزين لأوكرديون مركون "ع الرّف".
"عمر الوشوش ما بتبقى بعد السنين.. نفس الوشوش دي بتبقى.. شيء تاني.." خالص.
"إن جيت ف يوم أرسمك.. أرسم أمل بسّام" حمزة علاء الدين، بيقسّم ع العود.
"خطّي الأحلام بيّا.. خطاويكي، خطاويّا.. والغنوة خطوة وصديق"، منير العلق يُلقي تماسيه على مسامعي وقت الغفوة.
"إمبارح كان.. كان ف الإمكان"، حنان ماضي تصرّ على ذلّ اللي خلفونا، وتعتيتنا وتطليع ميتينّا بتقطيمها..
"ألا يا لطيفُ، يا لطيف، لك اللطف.. فأنت لطيف ومنك يشملنا اللطف.. 
نجونا بلطف الله ذي اللطف إنه.. لطيف لطيف لطفه دائم اللطف
أغثنا أغثنا يا لطيفاً بخلقهِ.. إذا نزل القضاءُ يتبَعُهُ اللطف"

2017-03-06

أرق

أرق منذ ليالٍ، يتركني حبيس الـ"سكرول" والهاتف. أترك في خلفية ذاكرتي ملاحظة جانبية بأنني سأشاهد الليلة فيلماً جديداً، لكنني لا أفعل. أمدد جسدي على السرير شاخصاً إلى ما اعتده سقفاً لغرفة النوم، لا أفكر في شيء، أو هكذا يبدو لي. أحاول تذكر بعض الأخبار ولا أفعل، أعدّل أوضاع جسدي مراراً، بلا جدوى. أرهف السمع مع صراخ صغير جارنا، لأعاود محاولة النوم مرة أخرى، بعد التأكد من أنها ليست صغيرتي، النائمة في الغرفة المجاورة. 
أصداء مياه الطابق العلوي تجري في الحوائط، أصوات أبواق السيارات البعيدة تصل تائهة إلى مسامعي، تتبعها تكّات قداحة شخص ما في الشبابيك المقابلة، ومواء قط شريد وجد ضالته في أحد صناديق النفايات. 
أنصت جيدا لأنفاس زوجتي وأحاول ضبط إيقاع تنفسي لمجاراتها. أغرق في عمل اللاشيء. أحاول ثانية التفكير في ما يقلقني ولا أعرفه، محاولا تذكره، بلا جدوى. 
عقلي مزدحم بالفراغ. 
أعرف جيداً أن تلك دفاعاتي النفسية، تنأى بي بعيداً عما يقلقني فتُنسينيه. ولكن المعضلة الحقيقية أنني أصبحت فعلا لا أذكره. 
كثير النسيان، صفة اكتسبتها عن جدارة. ذاكرتي امتلأت، هكذا أفسر لنفسي السبب، فلا أجد براحاً لشيء آخر. أنتبه وسط حديث جاد لصديق، يبدو من عينيه أنه ينتظر إجابة.. "ربنا يسهل إن شاء الله، ويعمل ما فيه الخير"، أجيب وأنا أشعل سيجارة في أسى ظاهر، وأعاود النظر إلى تكوينات السحاب التي تشكل الآن جبلا من آيسكريم "الفانيلا" البيضاء تشوبه طعومات أخرى رمادية اللون، ونقاط صغيرة بعيدة سوداء تتحرك في أسراب، إلى وجه الرجل الظاهر من بين السحب لتختفي خلف تلك العمارة على ناصية الطريق. نَفَس أخير من السيجارة أخرجه مع الزفير في ضيق لأظهر تعاطفي مع هموم الزمان التي يشكو منها صاحبي  -أو هكذا اعتقدت- في كلامه.. "ربك يسهلها يا معلم". 
الـ"سكرول" لا ينقطع.. الفراغ لا يموت.. الخواء يفرض نفسه على المحيط. أصوات دقات قلبي أسمعها بوضوح في أذني اليمنى، أعاود ضبط تنفسي عليها، في محاولة للنوم، تبوء بالفشل مرة أخرى مع صوت صغير جارنا مجددا.

2017-03-05

دمعة جدّي


"دعوني أقصص عليكم القصة من بدايتها، فالسرّ دائما يكمن في البدايات.."، قال جدي.

بادرنا جدّنا بتلك العبارة، فى محاولته ليهوّن علينا – أنا وأختي الصغيرة- فراق أصدقائنا فى بلدتنا القديمة، خصوصا أن الأخت الصغيرة بدأت البكاء، منذ أن تحركنا بالسيارة.

كان جدي مغرما بالحواديت والقصص الغريبة، من يخطر بباله يوما أن دمعة تنزل على أحد خديّ فتاة لها قصة؟ ما زلت أذكر تلك القصة تماما، وكأن جدي الذى رحل منذ نحو 30 عاما، فرغ توا من سردها.

يبدأ جدي الحكي بمقولته الدائمة: "كان ياما كان، يا سعد يا كرام، ولا يحلى الكلام إلا بذكر النبي عليه الصلاة والسلام"، وينتظرنا أن نردد: "عليه الصلاة والسلام"، وإن كنت أعتقد أنه كان سيحكي فى كل الأحوال..

يقول: كان فيه دمعة صغيرة، وحيدة وزعلانة، كانت مخنوقة من إنها محبوسة لوحدها ومحدش راضي يخليها تنزل من العين تلعب شوية ع الخد وتطلع تاني، لإن باباها ومامتها مش مخليينها تنزل خالص، وبيقولوها: الدمعة لو نزلت م العيون بتموت، وبتموّت معاها حاجات تانية كتير.

هكذا كان جدي، مغرما بالغموض، لم يجبنا حين سألنا، "إيه الحاجات اللي بتموت يا جدو؟"، ابتسم فقط، وقال: "دعوني أكمل"..

"عيلة الدمعة قالت لها إن العيلة بتاعتهم كلها نزلت ف مرة من المرات، لما جت للبنت اللي عايشين جوه عنيها كريزة عياط، من غير أي أسباب، همّ نفسهم، الدمعة الأب والأم، مش عارفين إيه الداعي ليها، ومخنوقين من إن حياتهم الطويلة ممكن تروح هدر فى نوبة عياط، أو نوبة ضحك أهبل.

الدمعة البنت، مكنتش مقتنعة إن حبسها جوه العيون، هيفيد، خصوصا إن باباها لما بيحبسها وميخليهاش تنزل وقت ما هي عايزة، بتزداد ملوحة وزعل. ف يوم من الأيام، والدمعة الصغيرة قاعدة وحيدة زعلانة ف سجنها جوه العيون، لقت العيلة كلها بتجرى، والدموع بتصرخ: اهربوا.. نوبة عياااااط.

حاولت تهرب، باباها ومامتها قفشوها، ومسكوا إيديها وهما بيجروا، وهي قعدت تصرخ "سيبوني.. سيبوني.."، الدموع كلها كانت بتهرب من الفيضان اللي بياخدهم وينزلهم من الشلال اللي بيطلع م العيون. الدموع كلها، مستخبية، وخايفة خصوصا إن نوبة العياط، فضلت وقت طويل جدا المرة دي، البنت الصغيرة، بتبص حواليها، لقت الدموع كلها مرعوبة، زعلانة، إلا دمعة مزقططة وفرحانة وقاعدة بتقاوم أهلها برضه اللي حابسينها.

قربت منها وسألتها: "إنتي مش خايفة ليه زي بقيت الدموع؟"، الدمعة الفرحانة، قالت: "إحنا صحيح بننتهي واللي بينزل مننا ما بيرجعش تاني، بس وإيه يعني، النزول لوحده بيرحنا، وبيريح عيون البنت اللي عايشين جواها، والبنت نفسها بتستريح، وهي قدمت لنا كتير، خلتنا نشوف كارتون كتييييييير بيضحك، -صحيح تقريبا نص عيلتي ضاع وقت ضحكها- بس مش مهم، أنا متأكد إنهم مبسوطين دلوقت، ده كمان غير الألوان اللي بره ف العالم، والشمس اللي يسخونتها بتحولنا لبخار مالوش وزن، ويخلينا طايرين لحد السما، وكمان، خلتنا نشوف وش حبيبها اللي محدش من أهلها يعرفه، إحنا أول حد يشوفه، آمنتنا على أسرارها، وأفراحها وزعلها، ولازم نرد الجميل، لازم لما تكون زعلانة ننزل، ونخليها ترتاح.

وسابت إيديها من أهلها، وجريت للدمعة الفرحانة، وواحدة واحدة نطوا ف المية اللي بتطلع واحدة واحدة لفووق والنور بيقرب منهم، بتفكر وهي طالعة لمجرى الدموع اللي هيخرج م عينين البنت.. أخيرا هرد جميل البنت الحلوة، وأطبطب على خدها وأبوسه، وأرمي برة نفسها كل الحاجات الميتة، وأتبخر وأوصل للسما.. بتفكر ونور الشمس غامرها، وجسمها بدأ يتحول لبخار إنها أخيرا عملت أحلى حاجة ف الحياة.. إنها بتهون على بنت ف زعلها"، تماما مثلما اعتاد جدي أن يفعل.

____________________

القصة الأصلية من هنا:

2017-01-25

عزيزتي مارية (2)

عزيزتي مارية..
فقدتُ القدرة على البكاء منذ أمد بعيد. ولكن، لا ضير، إذ اعتدتُ الفقدَ - منذ زمن- في صمت.
ضاع البكاء في غياهب الغربة، مثل الصراخ بين سراديب الأرق. لا صوت، فلا أحد يسمع، ولا قلب يهدأ.
يحذرني الأطباء من الكتمان، ويطلبون البوح. يخشون دقات قلب متسارعة، وقلقًا زائدًا وأرقًا طويلا، وبعض الدهون الثلاثية وأشياء أخر.
لا أستطيع الصراخ.
أحلم دائما بصحراء خاوية، أحاول الصراخ ولكن لا صوت. تمنيت وأنا في تلك الرحلة الليلية على ذلك القارب الشراعي في النيل أن أصرخ، فحال صدأ أحبالي الصوتية دون ذلك، وخرج جشا كخوار ثور ضعيف مذبوح العنق.
أخافَ صوتي الأجش زميلاتي، فلذت بالصمت احتراما، وخجلا. ولم أعرف أنه سيلازمني طوال الطريق.
الطبيبة تسألني ألا تملك وريدًا؟ فأجيب: نحن العبيد. لا نَملِك، بل نُملَك.
كنت معروفاً منذ صغري، بعلو الصوت، وعدم الاكتراث، فأصبحتُ الصمت، واللامبالاة.
البرودة الآن تجتاح جسدي، أرى جدتك بوجهها المنحوت من التعب تبتسم، أرى خباياي التي لا يعرفها غيري، ولحظات ضحكي في المطبخ مع سيجارة الحشيش، أذكر صوت من غابوا في الدنيا وأبعدتهم الحياة، وأبتسم.
وخز إبرة الطبيب الآن في يدي، أشعر بأنبوبه الطويل يسير في العروق، أرى ذلك الخط الرفيع الأبيض على الشاشة الرمادية يمتد داخلها، ليصل إلى شيء اعتاد أن ينبض، فينفث حبره الأسود، ليزيد المكبوت وألم الكتف اليسرى.
يسألني، ماذا تعمل؟ أجيب: "من الفسيخ شربات"، وأبتسم في بلاهة، فهو لا يعرف الفسيخ وأنا لا أعرف ترجمتها.
أغمض عينيّ لأستريح، أرى وجهك/ ضحكتك/ صوتك/تفاصيلك الصغيرة، أرى نقاطاً بيضاء تزداد اتساعا، أتذكر العمل/الضغط/الكبت/الأخبار/المهام/الديون/الأموال/الواجبات/الشاشات/العناوين/اللينكات/الاجتماعات/الضجيج/السيارات/الصراخ..
الصراخ..
الصراخ..
أفتح عينيّ، فأرى ظلالا لأشباه ناس حولي، يد تُعيد رأسي إلى موضعها، وهي تُتمتم: ""it's gonna be alright.. it's gonna be alright".

2016-12-22

عزيزتي مارية

ظلت الصفحة على مدار يومين، بيضاء إلا من كلمتين:
"عزيزتي مارية.."
لا أجد البداية المناسبة -كعادتي- لبدء حوار ما.
تعودت البدء بجمل منفية، فأنا كثير النفي، ويا للنفي من سببٍ.
يقولون إنها إشارة لانعدام الثقة وضياع الهوية، والبحث عن مهرب من المسؤولية. أتعلمين، صغيرتي، أن أباك خائف؟ يتأخر كثيرا في اتخاذ القرارات. في قرارة نفسه، لا يثق في اختياراته، فهو يظن أن هناك -دائماً- أفضل لا يعرفه.
اعتاد منه مدرسوه منذ صغره، على معرفة الإجابات عن كل شيء، وهو لا يعرف شيئاً عن أي شيء. انتظر أصدقاؤه منه القرب، فلم ينالوا منه إلا العزلة. انتظر هو من نفسه المعرفة، فلم ينل إلا الجهل.
كثيراً، قبل أن ينام، يراجع يومه. كان ليقول هذا بطريقة أفضل، أو يتصرف بطريقة مغايرة، يصرخ في وجه من طالبوه بتغيير شيء ما، يثبت على رأيه بشأن ما قاله ولا يهادن طلباً لراحة الدماغ.
يحلم دائما بعصا سحرية، أو قدرات خارقة، تتيح له التحكم في بيئته/حياته/أفعاله/أقواله. كثيراً لام نفسه على حبه لحواديت هاري بوتر وألف ليلة وليلة، وأفلام السوبر هيروز، ولكن ذلك لا يغير الحقيقة في شيء.
عزيزتي..
أشعر الآن بغضبك، وخذلاني لك، أضعافاً مضاعفة. حين سافرت وحين أودعك كل يوم على أبواب الحضانة. كل شيء يذكرني بتقصيري تجاهك: نظراتك الموجعة لي حين أدير ظهري وأرحل/سعالك وأنت نائمة/ زجاجة "أدول" تنتظر مفتوحة الغطاء على الطاولة/ صراخ طفل جارنا الصغير/ بسمة الصغار في الإعلانات.. كل شيء صغيرتي.. كل شيء.
لن تقرأي هذا إلا بعد فترة، وربما لن تقرأيه أبدا. فقط التمسي العذر لشخص ضاق ذرعاً بما حوله، وأذاقه الزمن ضعف القلب، وشيب الرأس، وضيقة في الصدر.

حتى في النهاية لا أجد مبرراً مقنعاً: كل الحجج قيلت، والأعذار أوشكت على الانتهاء.
صغيرتي.. تصبحين على عائلة.
 


2016-06-27

كما يليق بنبي

عرفت طالعي - قلت للمتنبئ- فلا حاجة لي بك اليوم.. 

يوماً ما، سأموت وحيداً، داخل بيت متهالك، تطن جنباته بالألفة ورائحة الخبز البلدي وقهقهات من عمّروه، بتراتيل الضحك وآيات السمر الليلي. 

مستأنساً بعمر مضى، وذكرى باقية، وأقارب يزورونك على عجل، ليعطوك الدواء، أو يشعلوا من نير الوحدة سجائركم المتبقية. 

ماء شاي السهرة، يغلي، ينتظر من يضع "تلقيمته" المناسبة، ويصعد به على السطح، في ليالي الصيف.. ولا مجيب. فقدتَ قدرتك الماضية على التحرك بخفة، ولم يبق إلا أطلال من إنسان: قلب تخفت دقاته بمرور الوقت/رأس اشتعل شيباً/حلم لم يكتمل/فرحة منقوصة/ندم لم ينفع بشيء/ذكريات تذوي.. 

يجتمعون أخيراً، لمناداتك. تشخص رويداً رويداً لخيالاتهم، تراهم بعد توقٍ بوضوح.. وتذهب تاركاً آخر كوب شاي ساخن، ورماد سيجارة لم تنطفئ. 

كما يليق بنبي لم يُصبه الوحي

2015-06-30

براح



البراح اللي في الستين سنتيمتر مربع اللي بتشغلهم ركنة كتافي ع الحيطة بتاعة بيتنا، ساعة العصاري ف يوم أجازة مسروق.. وإيدين الست العجوزة اللي بتلعب لي ف شعري وأنا حاطط دماغي على ركبتها اللي بتوجعها ف الصالة.. عن شتيمتها ليا وأنا بأعاكسها وأقولها "مش هرد عليكي إنتي برضه زي أمي".. وشبشبها اللي مكانش بيخيب وإحنا صغيرين، ومكسبها ف دور كوتشينة لما الكهربا ف بلدنا بتقطع بالليل.. عن ضحكتها اللي عرفتها على كبر.. وقلقها المستمر عن "إنتو اتعشيتوا ولا لسه".. والله ترابك والشاي من إيدك، وبصة الحب اللي ف نضارتك، ونبع الطيبة اللي ف سيّالة العباية بتاعتك وحشني

2015-02-04

صديقي الميت

يحدثني صديقي الميت منذ زمن بعيد ألّا أحزن، فتلك عادة البشر منذ القدم.
يريدني دائمًا أن أتناسى شعور من نسيَنا وتركنا في انتظار عودته على رصيف القطار/الشات/الهاتف، نتطلع، مع كل إشعار، عن وجهه، في وجوه المارين، ولا نجده.
نتصيّد الفرص ليربط خيالنا المريض بهم، كلام من حولنا بكلامهم؛ فهذا يشبهه، وتلك الجملة قالها حين قبّلته، وذلك القميص يملك واحدا مثله، وتلك رائحته المفضلة.

يعزي الآخرون ارتباكي وشرودي إلى الخمر، فأنا لم أشربه كثيرا ولا أتجرعه بصورة كافية حتى أدرك ما أقول ومتى أقول. مساكين أولئك الأصدقاء، لا يعرفونني، وأنا أيضا لم أسمح لهم بمعرفتي، فأنا من يترك لهم الحبل لتعليق آرائهم عني، بل أؤكدها لهم لأصبح عند حسن ظن عبدي بي..
لا أريد المزايدة ولا الكلام، فكل ما أقوله يصبح غير منطقي، لأي أحد كان.
ما زالت نقاط الكتابة في رسائلنا تقول إنه يكتب، ولا تأتي الكلمات.. تقول إنها شوهدت، من دون رد.

تصحو كل ليلة على صوت إشعار رسالة، تنظر بلهفة من مرسلها، وتغلق زر آمالك مع باقة البيانات كي تستطيع النوم.

ف الغربة الدنيا توهة والناس مالهاش أسامي

الراجل اللي بيكلّم نفسه وهو معدّي من تحت البيت بعد كل صلاة.. الكلاب اللي بيحبوا بعض آخر كل ليل، وما بيخلونيش أنام.. دخان السجاير ف البلكونة ساعة المغربية، باتريك زوسكيند وجان بابتيست جرينوي، وعطورهم، ريهام سعيد وبنتها اللي مليانة ديفوهات.. ونت الموبايل اللي بيطلّع أيماني عشان يشتغل.. برد هوا أكتوبر بعد العِشا.. والعيال اللي بتنادي على أصحابها عشان يلعبوا ساعة العصاري.


صفار الصحرا وألوانها الخضرا اللي طالعة على استحياء.. الدنيا لما ما يكونش فيها حد تكلمه.. وشبكة الموبايل اللي ما بتجيش غير طشاش.. وصوت العيل الصغير اللي بيقيم الصلاة ف ميكروفون الجامع اللي جنبك.. التفاصيل الصغيرة اللي بتخلّي الوقت يعدّي وبتخلّي الحياة ممكنة.. الحياة من غيركم صعبة

My Maria ♥

 إنك تخلّف بنت، زيّ ما يكون الواحد خلِّف علبة ألوان، بالظبط.. كائن ملوّن دايمًا بألوان مبهجة، مُعدية بشكل رهيب. علبة الألوان اللي خلّفتها دي، هتصيبك بلعنة ألوانها، وهتسيب علامة عليك. 

الولاد دايمًا بيحبوا الغوامق. مش بعيد وإنت ماشي تلاقي ألوان كتيرة على هدومك، هتلاقي جيب التيشرت اللي ناحية القلب مثلًا بقى لونه أحمر، أو تشوف قوس قزح صغير مرسوم على صدرك اللي بقى رمادي من كُتر شرب السجاير، أو تلاقي نضارتك اللي بتوريك الحياة بقى لونها أخضر، ويمكن حتى تلاقي شعرك الأبيض اللي بدأ ينتشر في راسك، بقى ملوّن هو كمان، إيشي بمبي وإيشي برتقالي.

علبة الألوان اللي بتسيب أثرها دايمًا على كل اللي يلمسها، وتخليك دايمًا ملوّن على الرغم من كآبتك الرمادية اللون، تخليك دايمًا شايف حاجات حلوة متكورة ف وسط الكآبة اللي بتحاول تهرب منها.. مثلًا وإنت ماشي ف حالك ف البيت، هتلاقي هدوم صغيرة ملونة في كل حتة، وفي كل مكان مترّب في شقتك الصغيرة هتلاقي فردة لكلوك بيضا متدخلش ف صوباع رجلك الصغير، أو لعبة بمبية بتتحرك لما تلمسها برجلك، أو دبدوب منفوش بيطلّع صوت غريب لما تدوس عليه من غير ما تاخد بالك.

فيه كائن صغير -بغض النظر عن عياطه المتواصل- لابس ألوان مبهجة دايمًا ومستنيك تطبطب عليه أو تشيله من ع السرير، ومُصرّ كل الإصرار على إثبات وجوده.. فيه بنوتة بتعمل صوت "إنغغغغغغغغغ" وبتضحك في هبل وإنت بتلاعبها.. هتلاقي ألوان كتيرة ف وسط زحمة لون التراب الرمادي أو غوامق ألوان هدومك.

اكتشفت النهارده إن حب الألوان في البنات بيتورّث مع الولادة، ومن جيل لجيل، ممكن تختلف الألوان، بس البنات لها قدرة عبقرية على الحفاظ على التراث ده. حُب الفساتين الملونة في البنانيت وهي بتلعب مع عروستها بيكبر واحدة واحدة معاها، لحد ما يسيطر على لبسها في الكبر، رغم الظروف والإهانات اللي ممكن تتعرضلها في الشارع أو العيلة من تحرش وقرف. لسه قادرة على تغيير مود الجميع بضحكة بيضا، وببرفان مريح للأعصاب ممكن يكون لونه لبني فاتح (اعذروني عشان اسم درجة اللون المظبوطة مش عارف اسمها، أنا ولد مبعرفش في الألوان). 

كنت بقول إن النهارده اكتشفت إن موضوع الألوان ده متوارث.. كانت ضلفتين الدولاب مفتوحين، بصيت عليه من بعيد، لقيت نص مليان ألوان مفرحة بتاع مراتي، ونص كئيب مليان غوامق وحاجات سودة وبلوبلاك كتيرة عندي.. اتأملت الموضوع شوية، لقيت البنات بطبعهن مبهجات، ملوّنات، وإحنا يا عيني علينا، ألواننا قاتمة وغامقة.
يا رب أنا عايز أخلّف بنت، تكون ملونة وشبه مامتها، وأوعدك، إننا هنحاول والله، نخلّي نفسيتها مظبوطة على قد ما نقدر، هنحاول نحافظ على روحها المطلوقة ف الملكوت.. يا رب كتّر ألوان الحياة عندي، واسعدنا بما لدينا.




2014-01-28

آيسكريم في ديسمبر.. آيس كريم ف طلعت حرب



اتعودنا أنا وأصحابي، نقعد ف نفس المكان اللي مستنيكي فيه حاليًا.. قدام مكتبة الشروق ف وسط البلد.

أستناكي ع السور الحديد الأخضر الصغير اللي على حدود الميدان.. أدّي -لا مؤاخذة ف الكلمة- ضهري لتمثال طلعت حرب وللناس الماشيين ف الميدان.. أعلّي صوت سماعاتي ع الآخر، وأتوه ف اللحن والكلام.. حتى لو كانت أغنية لـ"أوكا وأورتيجا"..

أفكر ف الحياة وأسرح ف وشوش البياعين.. منهم السرحان واللي بيدخّن واللي قاعد قعدة عرب مع زميله م المحل التاني.

أفتكر كلمتك، لمّا قولتي: "اكتب".. مكنش لي نِفس أكتب أي حاجة، فطلّعت الكراسة الصفرا اللي اشتريتيهالي، والقلم الحبر، وكتبت: "تِعِبت م القعدة ع السور!! إيدي وجعتني م القعدة (مشّيها إيدي).. قررت أقف شوية.
شكل الناس اللي جم قعدوا جمبي كان مفرح؛ تعبانين آه، بس مستمتعين بالفُرجة والتدوير ع الهدوم. بصّيت ع البهجة اللي ف عيونهم: العيلة كلها بتاكل آيسكريم، والأطفال فرحانة قوي بيه وبيتناقشوا مين اللي طعم الآيسكريم بتاعه أحلى م التاني.. افتكرتك وانتي بتقولي: "آيسكريم شيكولاته بيضا طعام أهل الجنّة".. شوفتك وانتي بتضحكي وانتي بتاكلي آيسكريم ف الجو البرد ده :))

اتأخرتي قوي.. بس قشطة، بسمع منير ومصطفى ابراهيم وغادة شبير وريما خشيش وكايروكي وحازم شاهين وابراهيم معلوف ومحمود درويش وعدوية.. وأوكا وأورتيجا كمان :)))

** على ورق الفُلّ دلعني 
الأغنية دي كانت بتبدأ لما رنيتي عليّه وبتسألي أنا فين 

** الجميلات هن البنات، لو عايز تخلّي أي حاجة ف الدنيا حلوة، ضيف عليها صفة المؤنث.. هتلاقيها متدلعة وبقت ريحتها حلوة، شبه ريحتك اللي بحبها، واللي شاممها من شعرك لما قربتي منّي.. 

ملحوظة: أنا هأقفل بقه دلوقت عشان إنتي وصلتي.. وجاية من بعيد بتميّلي راسك يمين وشمال والابتسامة بتاعتك واسعة وسيعة منوّرة الدنيا.. هاقفل عشان ما تشوفيش أنا باكتب إيه.. بحبك  

2014-01-23

كراكيب

"مرتبك يدوب هيعيّشكم".. "لازم تشوف حاجة مع شغلانتك عشان تعرف تعيش"..

الجملتين الأكثر تكرارا اليومين دول بالنسبة ليا، عشان ظروف الجواز وكده.. قشطة معاكم إن مرتبي صغير حبة، وإن الواحد عشان يعيش عيشة محترمة لازم يتفحت ف كذا شغلانة عشان يعرف يطلع الجنيه من بذر العنب، زي ما بيقولوا.. 


قشطة يعني ما يجراش حاجة.. بس أنا عايز أقولكم فعليا إني اتخنقت من أم الموضوع ده.. حوار "إنتوا لازم يطلع دينكم وعينكم عشان تعرفوا تلاقوا حاجة تتسندوا عليها لما تكبروا" أنا جبت جاز منه.


يعني إيه تتحول لمكنة شغل، شغال تقريبا 16 ساعة ف اليوم، ده غير ساعتين طايرين ع الطرق وبين إشارات المرور؟ وما تفكرش غير ف الفلوس وخلاص، وكأن الدنيا كلها فلوس!!


ماشي، معاكم إن الدنيا ما بتمشيش من غير فلوس، بس أحا يعني.. أنا بني آدم، عايز أعيش حياة.. وأحس إني بني آدم بيشتغل وبيقعد ع القهوة ويشوف صحابه، وفوق ده كله، يبقى مع مراته أو البني آدم اللي بيحبه، ويديله حقه.


هي، مراتك/خطيبتك/حبيبتك ليها حق عليك، إنك تقعد معاها تتكلموا تتناقشوا، تتناقروا، تضحكوا، تزعلوا، تقفشوا، تخرجوا، تتفرجوا على فيلم.. بمعنى آخر يبقى بينكم حياة.. مش مجرد علاقة سرير تفرّغوا بيها شحنات هرموناتكم الجنسية، وبس.. ومن غير ما تاخدوا بالكم، بتنسوا بعض، ما بتعرفوش بعض.. اهتمامتكم المشتركة بتقل، والحب بينكم يتحول لنومة ف سرير وخلاص يوم الخميس.. وتتحول لعيلة - ده لو لسه ممكن نقول عليها عيلة- مصرية روتينية متطورة.


تصحى الصبح، تنزل من غير فطار عشان ما تتأخرش على شغلك، تلحق تخلصه، وتروح ع الشغل التاني، وتخلصه بالليل، وتنجزه ف السريع عشان تلحق تنام تلات أربع ساعات قبل ما تصحى الصبح متأخر تاني.. وكلامك مع مراتك/شريكك ف الحياة بيتحول لمجرد تليفونات.


متهيألي ده مش معنى الحياة الحقيقية.. اللي نفسي أعيش فيها أو أعيشها. الحياة، ميكس من كل حاجة، يوم سلف ويوم أول الشهر.. يوم فرح ويوم خناق.. يوم خروجة، ويوم سهر ف الشغل.. يوم ليك ويوم عليك.. دي الحياة الطبيعية واللي لازم أحققها، أو أحاول بكل جهد عشان تتحقق، عشان أهرب على الأقل من الفخ اللي بيقع فيه معظم الناس.. إنك تتحول لمكنة فلوس، والحياة تبقى روتينية.. وأعتقد نوعا ما إن ده السبب الحقيقي في بوظان معظم الجوازات حاليا، أو مشاكل ف البيت..


أنا مستعد أتحمل ضغوط مادية أقدر ف أوقات أسدّ فيها، ولا أتحمل قلّة راحة ف البيت عشان شريكك/شريكتك ف الحياة مش لاقياك.. الحياة عبارة عن تفاصيل بينكم وحاجات صغيرة.. هي اللي بتكوّن الذكريات.. وبتدي طعم للحياة.. هي اللي بتفضل لما تكون بالليل لوحدك، تفتكرها وإنت مغمض عينيك وإنت عجوز.. وتبتسم قبل ما تنام 

2014-01-10

ألعاب العاصمة السرية.. زمااااان

زماااان جدا وإحنا صغيرين، كانت الألعاب بتاعتنا في البلد ليها طعم مختلف، ومسميات خاصة بيها جدا.. وكانت بتتقسّم لـ 3 أنواع: ألعاب بنات، وألعاب الولاد، وألعاب الفرافير، والأخيرة لجأ ليها العيال بتاعت مامي وبابي، اللي أهاليهم مكانتش بترضى تخليهم يلعبوا في الشارع عشان أخلاقهم ما تبوظش.

ألعاب البنات: دي كانت منحصرة في لعبة "الحَجلة"، المعروفة باسمها تقريبا في أغلب حِتت ومناطق مصر كلها.. كمان كان فيه لعبة اسمها "التَقَل" ودي عبارة عن خمس حجرات صغيرين، بترميهم ع الأرض وتمسك واحدة فيهم ترميها لفوق، وتمسك واحدة من ع الأرض ف كل مرة ترمي فيها الحجرة لفوق وتمسكها بعد ما تلحق ترفع التانية من الأرض بنفس الإيد عشان ترجع تمسك الطوبة اللي انت حدفتها لفوق ف الهوا بنفس الإيد.. وتكررها مع الباقيين واحدة واحدة، وبعدين اتنين اتنين، وتلاتة مرة واحدة وواحدة لوحدها، وأخيرا.. تحاول تلم الحجرات مرة واحدة قبل ما تمسك الحجرة اللي حدفتها ف الهوا تاني.. اللعبة دي ماعرفش اسمها ف المناطق التانية إيه. عموما دي ألعاب البنات ف الشارع.

ألعاب الولاد: أشهرها "ثبت صنم"/المتحف.. من اسمها باين.. إزاي تثبت على الوضع اللي إنت عليه وما تضحكش أو تتحرك.. فيما بعد أصبح اسمها Freeze or flash mob.
فيه لعبة "أريكا": عبارة عن ملعب محدد الملامح "للرجالة الكبار من الأطفال أو القادة" كانوا بيحددوا حدود الملعب، واحد بيجري على رجل واحدة ورا كل الاطفال الباقيين عشان يلمسهم من غير ما رجلك المرفوعة تلمس الأرض أو تسند، كان ممكن تقعد نص ساعة تجري على رجل واحدة عشان تلحق كل الأولاد، واللي يفضل ف الآخر يفوز ويبقى الملك، ومحدش يختاره لمدة دور ع الأقل..
بعد كده الصف التالت والرابع من جيل الأطفال دخل تعديلات ع اللعبة؛ ممكن يريح او يبدل رجله من غير ما يلمس الأرض.. عشان كانوا بيتعبوا.. دول تقريبا أطفال أولى ابتدائي أو تانية بالكتير.

* لعبة "بَلْدِك" وهي اللعبة الأعنف على الإطلاق، وكنت مستغرب إزاي أطفال المفروض إنهم أطفال بريئة يخترعوا لعبة زي دي.. اللعبة عبارة عن فريقين، وملعب محدد الملامح.. فريق بينزل كله جوه الملعب، ولاعب الفريق اللي بره مهمته إنه ينزل الملعب ويلمس واحد م الفريق اللي جوه ويخرج .. بسيطة مش كده :))
لأ.. مش بسيطة لأن الفريق اللي جوه لو مسكك هيفشخك بمعنى الكلمة، هيقطعك ضرب بكل ما أوتي من قوة.. برجليه ف بطنك قشطة، بالبوكس ف وشك ما يضرش.. لحد ما تستسلم وتقول "أنا".. ولو انت شاطر تلمس حد وتهرب برة حدود الملعب بسرعة قبل ما تتقفش :)

ودليل الشجاعة بتاعك والتحدي وإثبات إنك راجل "تقريبا كنا ف رابعة ابتدائي أو الاعدادي" إنك تقوم بعرض شجاعتك و تشُق الصينية :)) وده إنك تنادي بأعلى صوتك قبل ما تنزل للملعب "هاشُق الصينية" الفريق اللي مستنيك جوة الملعب يقسم نفسه نصين، كل نُص على حدود الملعب بالطول ويفضولك ممر واسع بطول الملعب تجري فيه للطرف التاني..

خد بالك وانت بتجري، عشان ممكن تلاقي رجلك جت ف بطنك أو كعبلتك وانت منطلق بأقصى سرعة ولو وقعت.. تبقى ضعت يا معلم. فريق كامل بيضرب فيك ف أي حتة يطولها منك.

اللعبة دي تقريبا لو مجلس حقوق الانسان عرف بيها كان صنفها من الممنوعات. عشان أغلب أطفال الشارع كانوا بيروحوا  لأهاليهم متشرحين أو مكسورين أو سنانهم واقعة وفي احسن الحالات هدومهم متقطعة.. عشان كده كنا بنمنع الاطفال والعيال السيس من اللعب مع الكبار  زي حالاتنا.

2014-01-02

حُمّى ليلية

[[تمهيد]] لم يدرك المحيطون به بعد، أن هناك أمورا أهم قليلًا من طول شعره أو تهذيب لحيته.

لم يسعه وهو يتلوّى من الألم في حمّام عمله، حين نظر إلى المرآة، إلا أن يهندم شعره المتناثر، وهو مغمض العينين، آملا في ضمّة من يديْن يعرفهما جيدا، وطبطبة على الكتفين، وصوت يهمس في أذنه: "ألف سلامة عليك يا حبيبي".
* اعتاد أن يزوره الأمل حين يهرب الناس إلى مخادعهم، يتسرب إليه مع لحظات البرد، وسويعات الأحلام الصباحية.. لم يعبأ كثيرا بما يفعلون، ينظر إليهم شاخصًا دون تركيز، يومئ برأسه في تفهّم مصطنع، ينصت باهتمام زائف لمشاكل الزمان وانعدام الأمل، لكنه واثق كنبيّ أنه يستطيع الطيران ليلًا وهو مغمض العينين.. يستطيع تحريك الجبال بإشارة من عصاه، بتعويذته غير المفهومة يلقي البرد والسلام على نيران قلقه، بطرقعة الإبهام والوسطى يصّعد في السماوات العُلى.. يُسمِع الصُمّ الموسيقى، ويُشعر الجبابرة بجمال السلام.

الآن لم يعد هناك غيرك.. تتحرك في خفة بين جماهيرك من النجوم والطيور الليلية وأنوار المنازل والشوارع من تحتك.. تزورك أشباح ماضيك وذكريات طفولتك.. يد والدتك تتحرك على رأسك ممسكة بمنديل منقوع بالثلج والخل لتُخفض حرارتك، وأنت تسمع مطارق الحدادين وأبواق السيارات في أذنيك، ترى تلك النقاط البيضاء الخافتة حين تغمض عينيك، تكبر وتلتحم ليغطي بصرك نورٌ مزعج باهت الملامح.. في ذروة سخونتك تشعر بقطرات الماء المثلج تتحرك من المنديل على رأسك لتستقر في أكثر الأماكن إزعاجا في أذنك. لا تستطيع الحراك لتجفيفها، أو الكلام لمنعها.

تفتح عينيك لترى من حولك، فلا تميزهم.. مجرد أشباح غير واضحة المعالم، يقفون في نور أصفر يؤذي الناظرين.. تغمض، لتعود إلى جماهيرك من النجوم والأنوار وأبواق السيارات، وتنتظر أشباحك، لتبدأوا رحلة الصعود.

2013-12-13

وينتظرها..

يجلس وحيدا فى مقهى، منزويا غير مرتاح في جلسته.. الكل في المكان يتحدثون العربية مخلوطة بالإنجليزية.. يشعر بالغربة، وينتظرها..
الفاحص له والعارف ببواطن الأمور، يستطيع تمييز خجله، وعدم ارتياح صديقنا في المكان.
يضع سماعتي أذنيه، يستمع إلى أغانيه وينتظرها..
"طريقي داير دواير.. يا حلوة يا أم الضفاير".. تعوّد منها دائما أنه إذا أرادها أن تأتي، فليسمع أغنيتها المفضلة.. ينتظر أغنيتها آملا أن تزيل برودة غربته، وينتظرها..
يعلم جيدا أنه سيترك ما يكتبه بمجرد أن تضع يدها على كتفه، وهي تبتسم في حنان: "عامل إيه يا حبيبي"، سينسى فور رؤيتها إظلام المكان وزحمته، وبرودة غربته، ووحشة انتظاره وحيدا.. ينتظرها..
يتحدث من حوله عن مشروبهم المفضل، وأسماء أعجمية لم ينزل الله بها من سلطان في قاموس محيطه العمري.. عن أفلامهم وأغانيهم المفضلة، عن صديقهم الذي تأخر.. وينتظرها..
هو موقن كنبيّ أنكِ آتية.. آتيةٌ كشمس شتاء حانية تدفئ قلب البردانين.. تنير المكان ويستطيع أخيرا أن يتنقل بعينيه بحرية بين عينين بُنيّتين قادرتين على إدهاشه كل مرة.
ستأتي طالما يحتفظ بأغانيها المفضلة.. وتفاصيلها التي لا يعرفها غيره..
ستأتي بذقن هلالية وقت الضحك، وعيون فرعونية عند الابتسام.. بأسنان بيضاء مصطفة، وشفتين يعشقهما.
ستأتي بغضبها على العالم/المدخنين/الرجال/أصحاب العمل/ السيارات/ الزحمة/ولاد الكلب.. وينتظرها.. وستأتي.