2017-05-18

الدنيا صغيرة

تلك الموسيقى الخفيّة بينكما، رسائل مسروقة من الزمن. علّات الروح وعطب القلب ووجع الظهر وألم الجلوس، كأنها لم تكن، ولن تكون الآن. 

"افتكريني.. 
أصل مسافر
مش عايزة تقولي حاجة قبل ما أمشي؟ 
هنروح بلاد ونعدي جبال.. وحنتقابل من غير ميعاد..
الدنيا صُغيّرة..
افتكريني..
خدي عنواني.. 
يمكن نتقابل تاني.. "
صوت حسين الإمام المكرر، بجيتاره الخفيف، يهمس في خلفية رأسي، الدرويش المسافر في الباص، يصرخ ألّا شيء يعجبه.. 
"لا الراديو ولا صُحُف الصباح، ولا القلاع على التلال.. ولكني تعبتُ من السِّفَرْ".
تعبت من التعب. 

صديق المقعد، يسألني عن وجهته إن اقتربت. أنا لا أعلم من أين جئت، ولكني أتيت. 

ثلاث نقاط رمادية تتراقص على خلفية الماسنجر البيضاء. كلمة "seen" تؤكد مجددا أن "الدنيا صغيرة". 

مؤخرا، فقدت القدرة على ملء فراغات أحلام الحافلة. قلبي على سفر، فأنّى له الماء؟ وكيف يحل له الصيام؟! تقاوم ليلاً، لتملأ صمت العقل والقلب. لا تريد النوم ولا الحديث، وقلبك صار مثقلاً بحديث مكتوم. 
أحياناً تجيب على جُمل أبطال أفلامك بصوت عال ليلاً، وتضبط نفسك تحدث دخان سجائرك في المطبخ، لتحاول مجددا ملء السكون.
الوحدة قاتلة. 
الانعزال سام. 
الصمت مُبكٍ. 

صديق العمل، يقول لي ممتعضاً: "افصل يا بني، حرام عليك" فأزيد. لا أتحدث كثيرا في العادة.. في الحقيقة، لا أتحدث مطلقاً. صديقي لا يدري مقدار "جميله" لي، فيتركني أُكمل. 

خواء.. فراغ.. عدم..

صغيرا، كنت أحلم أن أكون كريستوفر مكاندليس، أتيه في القفار بعيداً عن البشر، حتى أصير مُصمتاً غير خاوٍ. والآن يتضح لي أنني أجّلت حتى ابتعدت، فابتلعتني الحياة. حلم الوحدة مؤلم والهرب إلى البرية لم يعد مجدياً الآن. 

أتذكر العود، النائم فوق دولاب ملابسي، أعيد تأجيل حلم تعلمه مرة أخرى.. أتثاءب.. الظلام في عيني يصير أكثر ثقلا.. صديق الحافلة يستأذن للنزول.. أستسلم لصوت كريستوفر مكاندليس، مرة أخرى وهو يعزف لي على الجيتار داخل "كارافان" وسط ثلوج ألاسكا: 
"افتكريني.. 
وحنتقابل من غير ميعاد..
م الدنيا صغيرة.. دي الدنيا صغيرة.."




2017-04-01

يا غريب في الكون يا قلبي

الساعة الآن العاشرة مساءً، تأخرت على موعد الحافلة، فنامت مارية مجدداً، ولن أراها اليوم أيضاً كالعادة.
150 كيلومتراً + بضع إشارات مرور والزحمة المعتادة. المجموع الكلي مقسوماً على سرعة 80 كيلومترا في الساعة، مطروحاً من العمر كل يوم مرتين، والكل مضروباً في إنهاك الجلوس والسفر والعمل، لينتج لك في النهاية بقايا إنسان.
"سكرول.. نافذة.. حافلة.. تذاكر.. عمل.. سفر.. ظلام.. سيارات.. نائمون.. أحلام.. صمت.. موسيقى.. كتابة.. سكرول.. تأمل.. أبراج.. نيام.. مقاعد.. سكرول.. إرهاق.. ملل.. سكرول.. هاتف.. سكرول.. هاتف.. سكرول.. هاتف".
أجلس دائما إلى جوار النافذة، لا أرى شيئا. أستند بجبهتي إلى راحة يدي اليسرى، أتطلع إلى شاشة الهاتف، أبحث عن أشياء لا أعرفها، لأقرأ كلمات من لا أراهم، وأُبدي دهشتي تجاه أشياء لم تحدث خارج هاتفي. أرفع رأسي بين الحين والآخر لأحسب الوقت. زميل الحافلة يتحرك ليعدّل وضع نومته، وأنا لا أجد شيئاً يستحق المتابعة لأذهب بعيداً عن ألم المقعدة وثنية الظهر وطنين الموتور. "من يوقف في رأسي الطواحين".
ريما خشيش تغني لشخص ما "أحبك ياني، وأخاف تنساني آه ياني آه ياني". تتساءل عما يكون الحب، ولا تدري هي الأخرى، فتعود إلى الحيرة.. محمود عبدالعزيز يؤكد أن الهاشا باشا تك.. فالقلب من هواكا بيعمل تيكا تك، فيبلغ به الأمر أشده، ويصرخ: "لو كان القلب خالي.. مكانش ده جرالي.. ولا كنت أجري وراكا ولا أبعت حد لك".
20 دقيقة الآن بعد منتصف الليل، وأنا ما زلت مسافرا/جالسا/ساهما/شريدا في ظلام الطرقات. حنان ماضي، تعنفني: "يا غريب ف الكون يا قلبي.. ياللي حاير ف الدروب..".
رسائل هاتفي تعلن انتهاء الـ128 دقيقة اليومية الخاصة بي. أعاود النظر إلى السيارات المسرعة إلى جواري، لم أتخط عربة واحدة، فأنا أسير ببطء. زكي ناصيف، يودع شحن الهاتف "خلّي الهوى مكتوم ف قلوبنا.. إلا الهوى ما عاد في عِنّا.. بكرة النحل بيحوم ع طيوبنا، من زهر ينبت وين ما كنا". أتذكر الصباح وإرهاق السفر مجددا.. أعاود الحساب لعلّي أخطأت، فتأتي النتيجة دائماً: "ويتوب علينا م الخدمة ف البيوت..ويتوب علينا م الخدمة ف البيوت".

دراكولا

لم ألحق اليوم الحافلة، فأخبرت زوجتي، بتأخري قليلاً - ساعة- عن موعد عودتي المعتاد. لجأت إلى سماعتي الأذن، طلبا لبعض الموسيقى.
أعشق انعكاسات الأشياء على المرايا، على زجاج طاولة الاجتماعات، على النوافذ، على كل الأشياء. دائماً، تجذبني الظلال والخيالات، لا أستطيع مقاومتها. أضبط نفسي كل أسبوع أحدق في انعكاسات وجوه زملائي الجالسين أمامي، على زجاج الطاولة، أتأمل أشكالهم المرسومة إلى جوار الأكواب، أقاوم إخراج هاتفي والتقاط ما تراه عيناي، فأعتدل في جلستي، لتشتيت خيالاتهم.
أحب الساعة السادسة. سماء زرقاء تشوبها الحُمرة، تودع شتاءها، بزخات سحب خجول. نقاط سوداء بعيدة ترتحل في أسراب. توتر العصافير يطغى على كل صوت.
أعاني دوماً للتركيز في ذلك الوقت.
جميلة أنت، كسماء الساعة السادسة، وسجائر الساعة السادسة ونسائم السادسة. خفيفة أنت كأصدقاء السادسة. تأنس بصحبتهم، بلا كلمة. أرى خلال صمتهم ضحكات عمرهم وذكرياته وألحان وصالهم وخبرة أهاليهم في الحياة. سرائر هادئة وملامح تتنهد وأفراح تتشكل.
أرى في السماء انعكاسات الحب والأهل والحياة والوهم. أملأ عقلي بتفاصيل جديدة ومغامرات لبطل أحلام الحافلة الجديد، وأنتظر رؤياها الليلة.
الضوء المبهر يؤذي أعين الكائنات الليلية، وأنا منهم. خالتي تقول لي: "شبه الوطاويط، طول الليل بتطير، ولما الفجر يدّن تجري على جحورها". أليس ذلك أقرب لدراكولا الذي لا يملك انعكاسا في مرآته؟ تساءلت.
وجيه عزيز، يباغتني: "قلت أبص في المراية، يمكن أكون احلوّيت.. فضلت داير أبص، ما خلتش ولا مراية في البيت". تمر أمامي إحدى الحافلات فأرى رأسي بعد الحلاقة، لأكمل الأغنية: "يا ريتني ما كان عندي مراية.. يا ريتني ما بصيت".
الحافلة تضيء أنوارها الداخلية بقوة، لا أستطيع رؤية انعكاسي في زجاج النافذة المجاورة. بطل أحلامي لم يعلن عن نفسه بعد. أحاول النوم، يهمس لي علي الحجار: "بحبك وانطلق عصفور.." أبتسم. يأتيني من بعيد، وأنا على مشارف الغفوة، صدى صوته ضعيفاً: "وصار يجري وينسااااااني.. ".

2017-03-25

300 كيلومتر

تفصلنا 150 كيلومترا من العذاب والآلام والزحام والمطر. 300 من الكيلومترات أقطعها يومياً في سبيل الوصول. مشتت بين الأرصفة والقضايا والعناوين التي لا أملكها، وتملكني. ممزق بين سطرين وتكرار كلمتين، وعدد أحرف محدد. بين قلب تعب، وعمود فقري يبغي "الطأطأة" ومقعدة نالها الورم من طيلة الجلوس.
والغاوون الغاوون، يتبعون ما توحي به الدلالات، وما بين الأسطر. فكيف الهروب.
يأتيني صوت الهاتف ليلة شتاء رعدية: "يا غريب عن ديارك مصيرك تعود"، فيردد الكورال بلهجة آمرة:" ارجع يا غريب.. ارجع يا غريب".
الضوء الأزرق المشوب بالصُفرة المتسارعة، يسابقني إلى النوم. عيناي تشخصان إلى الناطحات على الجانب الأيسر من الطريق.. سحب مثقلة بالغيوم، سيارات تسابق ظلها، أضواء إعلانات تزيد أثر دوار الحركة، جمل غير مكتملة، قصص مفتوحة النهايات، إظلام تدريجي في البقعة التي تغفلها صباحا في نومك.
تخيلت قصصا لا تنتهي، لأولئك النائمين حولي. فهذا الآسيوي، مثلا، جاء للنزهة، وتلك الإثيوبية السمراء جاءت بحثاً عن أمل وعمل. ذاك السائق ترك حلمه البوليوودي وانتصاراته الأسطورية على الأشرار حين ارتحل. والعجوز النائم إلى جواري يستعيد الآن حياته التائهة بين جنبات الغربة. كل يوم أبدأ بشخص ما، وأنسج حبكة درامية له، وأغمض عينيّ لأراها طوال الساعتين ونصف الساعة يومياً، أترك عقلي الباطن يملأ فراغاتها بما يختزنه، أصحو بعد تتر النهاية، فأجد أبطالي اليوميين يستعدون للنزول.

بلاي ليست

بقايا رؤوس تظهر أمامي.. نور أزرق خافت يليق بليل الغربة، أضواء صفراء من النافذة تسرع لتلحق بالماضي، وأنا وحيد مع سماعة الأذن وسط الزحام، أقاوم ساعتين ونصف الساعة من السفر اليومي.
"إن جئت بابك عاجزاً، أنا لست أملك غير ذاك".. صوت الشيخ يصدح في الأوبرا، وصداه يتردد بقوة.
ارتفاعات الأبراج على جانبي الطريق، تناطح الظلام، أضواؤها تطل خافتة من خلف السحب، ليأتي لحن حسين الإمام في "العالي العالي يابا" في خلفية المشهد. سيمون، تغيظني: "اسهر بقى لوحدك"، فهي لا تحب السهر. 
"طب والعمل؟" يظهر التساؤل كبيراً كلما أغمضت عينيّ، والإجابة تأتي قاطعة: "ده الحل الأفضل حالياً".
"صار لي شي مِية سني عم ألّف عناوين.. مش معروفة لمين.." فيروز تصفني بكلمتين والرحابنة يختصران حياتي المهنية في عزف حزين لأوكرديون مركون "ع الرّف".
"عمر الوشوش ما بتبقى بعد السنين.. نفس الوشوش دي بتبقى.. شيء تاني.." خالص.
"إن جيت ف يوم أرسمك.. أرسم أمل بسّام" حمزة علاء الدين، بيقسّم ع العود.
"خطّي الأحلام بيّا.. خطاويكي، خطاويّا.. والغنوة خطوة وصديق"، منير العلق يُلقي تماسيه على مسامعي وقت الغفوة.
"إمبارح كان.. كان ف الإمكان"، حنان ماضي تصرّ على ذلّ اللي خلفونا، وتعتيتنا وتطليع ميتينّا بتقطيمها..
"ألا يا لطيفُ، يا لطيف، لك اللطف.. فأنت لطيف ومنك يشملنا اللطف.. 
نجونا بلطف الله ذي اللطف إنه.. لطيف لطيف لطفه دائم اللطف
أغثنا أغثنا يا لطيفاً بخلقهِ.. إذا نزل القضاءُ يتبَعُهُ اللطف"

2017-03-06

أرق

أرق منذ ليالٍ، يتركني حبيس الـ"سكرول" والهاتف. أترك في خلفية ذاكرتي ملاحظة جانبية بأنني سأشاهد الليلة فيلماً جديداً، لكنني لا أفعل. أمدد جسدي على السرير شاخصاً إلى ما اعتده سقفاً لغرفة النوم، لا أفكر في شيء، أو هكذا يبدو لي. أحاول تذكر بعض الأخبار ولا أفعل، أعدّل أوضاع جسدي مراراً، بلا جدوى. أرهف السمع مع صراخ صغير جارنا، لأعاود محاولة النوم مرة أخرى، بعد التأكد من أنها ليست صغيرتي، النائمة في الغرفة المجاورة. 
أصداء مياه الطابق العلوي تجري في الحوائط، أصوات أبواق السيارات البعيدة تصل تائهة إلى مسامعي، تتبعها تكّات قداحة شخص ما في الشبابيك المقابلة، ومواء قط شريد وجد ضالته في أحد صناديق النفايات. 
أنصت جيدا لأنفاس زوجتي وأحاول ضبط إيقاع تنفسي لمجاراتها. أغرق في عمل اللاشيء. أحاول ثانية التفكير في ما يقلقني ولا أعرفه، محاولا تذكره، بلا جدوى. 
عقلي مزدحم بالفراغ. 
أعرف جيداً أن تلك دفاعاتي النفسية، تنأى بي بعيداً عما يقلقني فتُنسينيه. ولكن المعضلة الحقيقية أنني أصبحت فعلا لا أذكره. 
كثير النسيان، صفة اكتسبتها عن جدارة. ذاكرتي امتلأت، هكذا أفسر لنفسي السبب، فلا أجد براحاً لشيء آخر. أنتبه وسط حديث جاد لصديق، يبدو من عينيه أنه ينتظر إجابة.. "ربنا يسهل إن شاء الله، ويعمل ما فيه الخير"، أجيب وأنا أشعل سيجارة في أسى ظاهر، وأعاود النظر إلى تكوينات السحاب التي تشكل الآن جبلا من آيسكريم "الفانيلا" البيضاء تشوبه طعومات أخرى رمادية اللون، ونقاط صغيرة بعيدة سوداء تتحرك في أسراب، إلى وجه الرجل الظاهر من بين السحب لتختفي خلف تلك العمارة على ناصية الطريق. نَفَس أخير من السيجارة أخرجه مع الزفير في ضيق لأظهر تعاطفي مع هموم الزمان التي يشكو منها صاحبي  -أو هكذا اعتقدت- في كلامه.. "ربك يسهلها يا معلم". 
الـ"سكرول" لا ينقطع.. الفراغ لا يموت.. الخواء يفرض نفسه على المحيط. أصوات دقات قلبي أسمعها بوضوح في أذني اليمنى، أعاود ضبط تنفسي عليها، في محاولة للنوم، تبوء بالفشل مرة أخرى مع صوت صغير جارنا مجددا.

2017-03-05

دمعة جدّي


"دعوني أقصص عليكم القصة من بدايتها، فالسرّ دائما يكمن في البدايات.."، قال جدي.

بادرنا جدّنا بتلك العبارة، فى محاولته ليهوّن علينا – أنا وأختي الصغيرة- فراق أصدقائنا فى بلدتنا القديمة، خصوصا أن الأخت الصغيرة بدأت البكاء، منذ أن تحركنا بالسيارة.

كان جدي مغرما بالحواديت والقصص الغريبة، من يخطر بباله يوما أن دمعة تنزل على أحد خديّ فتاة لها قصة؟ ما زلت أذكر تلك القصة تماما، وكأن جدي الذى رحل منذ نحو 30 عاما، فرغ توا من سردها.

يبدأ جدي الحكي بمقولته الدائمة: "كان ياما كان، يا سعد يا كرام، ولا يحلى الكلام إلا بذكر النبي عليه الصلاة والسلام"، وينتظرنا أن نردد: "عليه الصلاة والسلام"، وإن كنت أعتقد أنه كان سيحكي فى كل الأحوال..

يقول: كان فيه دمعة صغيرة، وحيدة وزعلانة، كانت مخنوقة من إنها محبوسة لوحدها ومحدش راضي يخليها تنزل من العين تلعب شوية ع الخد وتطلع تاني، لإن باباها ومامتها مش مخليينها تنزل خالص، وبيقولوها: الدمعة لو نزلت م العيون بتموت، وبتموّت معاها حاجات تانية كتير.

هكذا كان جدي، مغرما بالغموض، لم يجبنا حين سألنا، "إيه الحاجات اللي بتموت يا جدو؟"، ابتسم فقط، وقال: "دعوني أكمل"..

"عيلة الدمعة قالت لها إن العيلة بتاعتهم كلها نزلت ف مرة من المرات، لما جت للبنت اللي عايشين جوه عنيها كريزة عياط، من غير أي أسباب، همّ نفسهم، الدمعة الأب والأم، مش عارفين إيه الداعي ليها، ومخنوقين من إن حياتهم الطويلة ممكن تروح هدر فى نوبة عياط، أو نوبة ضحك أهبل.

الدمعة البنت، مكنتش مقتنعة إن حبسها جوه العيون، هيفيد، خصوصا إن باباها لما بيحبسها وميخليهاش تنزل وقت ما هي عايزة، بتزداد ملوحة وزعل. ف يوم من الأيام، والدمعة الصغيرة قاعدة وحيدة زعلانة ف سجنها جوه العيون، لقت العيلة كلها بتجرى، والدموع بتصرخ: اهربوا.. نوبة عياااااط.

حاولت تهرب، باباها ومامتها قفشوها، ومسكوا إيديها وهما بيجروا، وهي قعدت تصرخ "سيبوني.. سيبوني.."، الدموع كلها كانت بتهرب من الفيضان اللي بياخدهم وينزلهم من الشلال اللي بيطلع م العيون. الدموع كلها، مستخبية، وخايفة خصوصا إن نوبة العياط، فضلت وقت طويل جدا المرة دي، البنت الصغيرة، بتبص حواليها، لقت الدموع كلها مرعوبة، زعلانة، إلا دمعة مزقططة وفرحانة وقاعدة بتقاوم أهلها برضه اللي حابسينها.

قربت منها وسألتها: "إنتي مش خايفة ليه زي بقيت الدموع؟"، الدمعة الفرحانة، قالت: "إحنا صحيح بننتهي واللي بينزل مننا ما بيرجعش تاني، بس وإيه يعني، النزول لوحده بيرحنا، وبيريح عيون البنت اللي عايشين جواها، والبنت نفسها بتستريح، وهي قدمت لنا كتير، خلتنا نشوف كارتون كتييييييير بيضحك، -صحيح تقريبا نص عيلتي ضاع وقت ضحكها- بس مش مهم، أنا متأكد إنهم مبسوطين دلوقت، ده كمان غير الألوان اللي بره ف العالم، والشمس اللي يسخونتها بتحولنا لبخار مالوش وزن، ويخلينا طايرين لحد السما، وكمان، خلتنا نشوف وش حبيبها اللي محدش من أهلها يعرفه، إحنا أول حد يشوفه، آمنتنا على أسرارها، وأفراحها وزعلها، ولازم نرد الجميل، لازم لما تكون زعلانة ننزل، ونخليها ترتاح.

وسابت إيديها من أهلها، وجريت للدمعة الفرحانة، وواحدة واحدة نطوا ف المية اللي بتطلع واحدة واحدة لفووق والنور بيقرب منهم، بتفكر وهي طالعة لمجرى الدموع اللي هيخرج م عينين البنت.. أخيرا هرد جميل البنت الحلوة، وأطبطب على خدها وأبوسه، وأرمي برة نفسها كل الحاجات الميتة، وأتبخر وأوصل للسما.. بتفكر ونور الشمس غامرها، وجسمها بدأ يتحول لبخار إنها أخيرا عملت أحلى حاجة ف الحياة.. إنها بتهون على بنت ف زعلها"، تماما مثلما اعتاد جدي أن يفعل.

____________________

القصة الأصلية من هنا:

2017-01-25

عزيزتي مارية (2)

عزيزتي مارية..
فقدتُ القدرة على البكاء منذ أمد بعيد. ولكن، لا ضير، إذ اعتدتُ الفقدَ - منذ زمن- في صمت.
ضاع البكاء في غياهب الغربة، مثل الصراخ بين سراديب الأرق. لا صوت، فلا أحد يسمع، ولا قلب يهدأ.
يحذرني الأطباء من الكتمان، ويطلبون البوح. يخشون دقات قلب متسارعة، وقلقًا زائدًا وأرقًا طويلا، وبعض الدهون الثلاثية وأشياء أخر.
لا أستطيع الصراخ.
أحلم دائما بصحراء خاوية، أحاول الصراخ ولكن لا صوت. تمنيت وأنا في تلك الرحلة الليلية على ذلك القارب الشراعي في النيل أن أصرخ، فحال صدأ أحبالي الصوتية دون ذلك، وخرج جشا كخوار ثور ضعيف مذبوح العنق.
أخافَ صوتي الأجش زميلاتي، فلذت بالصمت احتراما، وخجلا. ولم أعرف أنه سيلازمني طوال الطريق.
الطبيبة تسألني ألا تملك وريدًا؟ فأجيب: نحن العبيد. لا نَملِك، بل نُملَك.
كنت معروفاً منذ صغري، بعلو الصوت، وعدم الاكتراث، فأصبحتُ الصمت، واللامبالاة.
البرودة الآن تجتاح جسدي، أرى جدتك بوجهها المنحوت من التعب تبتسم، أرى خباياي التي لا يعرفها غيري، ولحظات ضحكي في المطبخ مع سيجارة الحشيش، أذكر صوت من غابوا في الدنيا وأبعدتهم الحياة، وأبتسم.
وخز إبرة الطبيب الآن في يدي، أشعر بأنبوبه الطويل يسير في العروق، أرى ذلك الخط الرفيع الأبيض على الشاشة الرمادية يمتد داخلها، ليصل إلى شيء اعتاد أن ينبض، فينفث حبره الأسود، ليزيد المكبوت وألم الكتف اليسرى.
يسألني، ماذا تعمل؟ أجيب: "من الفسيخ شربات"، وأبتسم في بلاهة، فهو لا يعرف الفسيخ وأنا لا أعرف ترجمتها.
أغمض عينيّ لأستريح، أرى وجهك/ ضحكتك/ صوتك/تفاصيلك الصغيرة، أرى نقاطاً بيضاء تزداد اتساعا، أتذكر العمل/الضغط/الكبت/الأخبار/المهام/الديون/الأموال/الواجبات/الشاشات/العناوين/اللينكات/الاجتماعات/الضجيج/السيارات/الصراخ..
الصراخ..
الصراخ..
أفتح عينيّ، فأرى ظلالا لأشباه ناس حولي، يد تُعيد رأسي إلى موضعها، وهي تُتمتم: ""it's gonna be alright.. it's gonna be alright".