2014-01-10

ألعاب العاصمة السرية.. زمااااان

زماااان جدا وإحنا صغيرين، كانت الألعاب بتاعتنا في البلد ليها طعم مختلف، ومسميات خاصة بيها جدا.. وكانت بتتقسّم لـ 3 أنواع: ألعاب بنات، وألعاب الولاد، وألعاب الفرافير، والأخيرة لجأ ليها العيال بتاعت مامي وبابي، اللي أهاليهم مكانتش بترضى تخليهم يلعبوا في الشارع عشان أخلاقهم ما تبوظش.

ألعاب البنات: دي كانت منحصرة في لعبة "الحَجلة"، المعروفة باسمها تقريبا في أغلب حِتت ومناطق مصر كلها.. كمان كان فيه لعبة اسمها "التَقَل" ودي عبارة عن خمس حجرات صغيرين، بترميهم ع الأرض وتمسك واحدة فيهم ترميها لفوق، وتمسك واحدة من ع الأرض ف كل مرة ترمي فيها الحجرة لفوق وتمسكها بعد ما تلحق ترفع التانية من الأرض بنفس الإيد عشان ترجع تمسك الطوبة اللي انت حدفتها لفوق ف الهوا بنفس الإيد.. وتكررها مع الباقيين واحدة واحدة، وبعدين اتنين اتنين، وتلاتة مرة واحدة وواحدة لوحدها، وأخيرا.. تحاول تلم الحجرات مرة واحدة قبل ما تمسك الحجرة اللي حدفتها ف الهوا تاني.. اللعبة دي ماعرفش اسمها ف المناطق التانية إيه. عموما دي ألعاب البنات ف الشارع.

ألعاب الولاد: أشهرها "ثبت صنم"/المتحف.. من اسمها باين.. إزاي تثبت على الوضع اللي إنت عليه وما تضحكش أو تتحرك.. فيما بعد أصبح اسمها Freeze or flash mob.
فيه لعبة "أريكا": عبارة عن ملعب محدد الملامح "للرجالة الكبار من الأطفال أو القادة" كانوا بيحددوا حدود الملعب، واحد بيجري على رجل واحدة ورا كل الاطفال الباقيين عشان يلمسهم من غير ما رجلك المرفوعة تلمس الأرض أو تسند، كان ممكن تقعد نص ساعة تجري على رجل واحدة عشان تلحق كل الأولاد، واللي يفضل ف الآخر يفوز ويبقى الملك، ومحدش يختاره لمدة دور ع الأقل..
بعد كده الصف التالت والرابع من جيل الأطفال دخل تعديلات ع اللعبة؛ ممكن يريح او يبدل رجله من غير ما يلمس الأرض.. عشان كانوا بيتعبوا.. دول تقريبا أطفال أولى ابتدائي أو تانية بالكتير.

* لعبة "بَلْدِك" وهي اللعبة الأعنف على الإطلاق، وكنت مستغرب إزاي أطفال المفروض إنهم أطفال بريئة يخترعوا لعبة زي دي.. اللعبة عبارة عن فريقين، وملعب محدد الملامح.. فريق بينزل كله جوه الملعب، ولاعب الفريق اللي بره مهمته إنه ينزل الملعب ويلمس واحد م الفريق اللي جوه ويخرج .. بسيطة مش كده :))
لأ.. مش بسيطة لأن الفريق اللي جوه لو مسكك هيفشخك بمعنى الكلمة، هيقطعك ضرب بكل ما أوتي من قوة.. برجليه ف بطنك قشطة، بالبوكس ف وشك ما يضرش.. لحد ما تستسلم وتقول "أنا".. ولو انت شاطر تلمس حد وتهرب برة حدود الملعب بسرعة قبل ما تتقفش :)

ودليل الشجاعة بتاعك والتحدي وإثبات إنك راجل "تقريبا كنا ف رابعة ابتدائي أو الاعدادي" إنك تقوم بعرض شجاعتك و تشُق الصينية :)) وده إنك تنادي بأعلى صوتك قبل ما تنزل للملعب "هاشُق الصينية" الفريق اللي مستنيك جوة الملعب يقسم نفسه نصين، كل نُص على حدود الملعب بالطول ويفضولك ممر واسع بطول الملعب تجري فيه للطرف التاني..

خد بالك وانت بتجري، عشان ممكن تلاقي رجلك جت ف بطنك أو كعبلتك وانت منطلق بأقصى سرعة ولو وقعت.. تبقى ضعت يا معلم. فريق كامل بيضرب فيك ف أي حتة يطولها منك.

اللعبة دي تقريبا لو مجلس حقوق الانسان عرف بيها كان صنفها من الممنوعات. عشان أغلب أطفال الشارع كانوا بيروحوا  لأهاليهم متشرحين أو مكسورين أو سنانهم واقعة وفي احسن الحالات هدومهم متقطعة.. عشان كده كنا بنمنع الاطفال والعيال السيس من اللعب مع الكبار  زي حالاتنا.

2014-01-02

حُمّى ليلية

[[تمهيد]] لم يدرك المحيطون به بعد، أن هناك أمورا أهم قليلًا من طول شعره أو تهذيب لحيته.

لم يسعه وهو يتلوّى من الألم في حمّام عمله، حين نظر إلى المرآة، إلا أن يهندم شعره المتناثر، وهو مغمض العينين، آملا في ضمّة من يديْن يعرفهما جيدا، وطبطبة على الكتفين، وصوت يهمس في أذنه: "ألف سلامة عليك يا حبيبي".
* اعتاد أن يزوره الأمل حين يهرب الناس إلى مخادعهم، يتسرب إليه مع لحظات البرد، وسويعات الأحلام الصباحية.. لم يعبأ كثيرا بما يفعلون، ينظر إليهم شاخصًا دون تركيز، يومئ برأسه في تفهّم مصطنع، ينصت باهتمام زائف لمشاكل الزمان وانعدام الأمل، لكنه واثق كنبيّ أنه يستطيع الطيران ليلًا وهو مغمض العينين.. يستطيع تحريك الجبال بإشارة من عصاه، بتعويذته غير المفهومة يلقي البرد والسلام على نيران قلقه، بطرقعة الإبهام والوسطى يصّعد في السماوات العُلى.. يُسمِع الصُمّ الموسيقى، ويُشعر الجبابرة بجمال السلام.

الآن لم يعد هناك غيرك.. تتحرك في خفة بين جماهيرك من النجوم والطيور الليلية وأنوار المنازل والشوارع من تحتك.. تزورك أشباح ماضيك وذكريات طفولتك.. يد والدتك تتحرك على رأسك ممسكة بمنديل منقوع بالثلج والخل لتُخفض حرارتك، وأنت تسمع مطارق الحدادين وأبواق السيارات في أذنيك، ترى تلك النقاط البيضاء الخافتة حين تغمض عينيك، تكبر وتلتحم ليغطي بصرك نورٌ مزعج باهت الملامح.. في ذروة سخونتك تشعر بقطرات الماء المثلج تتحرك من المنديل على رأسك لتستقر في أكثر الأماكن إزعاجا في أذنك. لا تستطيع الحراك لتجفيفها، أو الكلام لمنعها.

تفتح عينيك لترى من حولك، فلا تميزهم.. مجرد أشباح غير واضحة المعالم، يقفون في نور أصفر يؤذي الناظرين.. تغمض، لتعود إلى جماهيرك من النجوم والأنوار وأبواق السيارات، وتنتظر أشباحك، لتبدأوا رحلة الصعود.

2013-12-13

وينتظرها..

يجلس وحيدا فى مقهى، منزويا غير مرتاح في جلسته.. الكل في المكان يتحدثون العربية مخلوطة بالإنجليزية.. يشعر بالغربة، وينتظرها..
الفاحص له والعارف ببواطن الأمور، يستطيع تمييز خجله، وعدم ارتياح صديقنا في المكان.
يضع سماعتي أذنيه، يستمع إلى أغانيه وينتظرها..
"طريقي داير دواير.. يا حلوة يا أم الضفاير".. تعوّد منها دائما أنه إذا أرادها أن تأتي، فليسمع أغنيتها المفضلة.. ينتظر أغنيتها آملا أن تزيل برودة غربته، وينتظرها..
يعلم جيدا أنه سيترك ما يكتبه بمجرد أن تضع يدها على كتفه، وهي تبتسم في حنان: "عامل إيه يا حبيبي"، سينسى فور رؤيتها إظلام المكان وزحمته، وبرودة غربته، ووحشة انتظاره وحيدا.. ينتظرها..
يتحدث من حوله عن مشروبهم المفضل، وأسماء أعجمية لم ينزل الله بها من سلطان في قاموس محيطه العمري.. عن أفلامهم وأغانيهم المفضلة، عن صديقهم الذي تأخر.. وينتظرها..
هو موقن كنبيّ أنكِ آتية.. آتيةٌ كشمس شتاء حانية تدفئ قلب البردانين.. تنير المكان ويستطيع أخيرا أن يتنقل بعينيه بحرية بين عينين بُنيّتين قادرتين على إدهاشه كل مرة.
ستأتي طالما يحتفظ بأغانيها المفضلة.. وتفاصيلها التي لا يعرفها غيره..
ستأتي بذقن هلالية وقت الضحك، وعيون فرعونية عند الابتسام.. بأسنان بيضاء مصطفة، وشفتين يعشقهما.
ستأتي بغضبها على العالم/المدخنين/الرجال/أصحاب العمل/ السيارات/ الزحمة/ولاد الكلب.. وينتظرها.. وستأتي.



2013-11-26

شتا بلدنا (2) .. العاصمة السرية

ليل الشتا ف البلد، دايما كان وقت السمر ف البيت، دستة من الأشخاص ملفوفين ف البطاطين، متجمعين حوالين الطبلية اللي ع الأرض، ف نور لمبة الجاز اللي أمي عمّرتها، قبل المغرب ما يدّن، والكهربا تقطع.

صوت المطر ف الشارع وع الشبابيك شديد، صوت مجاري المية اللي بتنزل من على سطوح البيوت ف الشارع واصل ليك.. صوت ضحك الرجالة وهم معديين من شارعكم الضلمة عشان واحد صاحبهم اتزحلق ف الطين وهم مروّحين.. أو صوت شتيمة لأن مية المزراب نزلت ف قفا واحد كان معدّي جمب البيت بيتدارى م المطر.

الكل حواليك مكسّلين يقوموا يفتحوا للي بيخبط ع الباب، اللي غالبا بيكون ابن عمّك، اللي جاي م القهوة ف عز المطر والشتا والضلمة ومية المزاريب.
القعدة دي ف حد ذاتها، عمري ما أنساها، سمعت فيها أساطير بمعنى الكلمة عن بلدنا الصغيرة؛ حواديت عن شخصيات ما شوفناهاش، حكاوي جدودنا اللي ما لحقناهمش، وأماكن اتبدّلت، وناس راحت وناس جت.

بلدنا اللي فيها عم عباس اللي كان بيحب يقيّل ع الحمارة وهو مروّح المغربية م الغيط.. وكان نومه تقيل لدرجة إنه اكتشف لما فاق من نومته ع الحمارة ف يوم إنه عدّى بلدنا بـ10 كيلومتر تقريبا، واضطر يرجع هو والحمار ف عربية نص نقل عشان تعبوا.

بلدنا اللي فيها الأسطى محمد الجميل -ده اسمه- اللي اعتزل السواقة وفكك عربيته حتة حتة عشان فيه سوّاق اسمه "كُظة" و سوّاق تاني اسمه "الزبلة".. ده غير إنه هدّ جدران بيته كلها عشان العفريتة "بت الوسخة" تسيبني ف حالي".

بلدنا فيها "النعش" اللي بيطير عشان صاحبه من الأوليا، وفيها الجنية اللي بتسرّح شعرها الأبيض عند حنفية المية العمومية اللي عند المقابر.

بلدنا فيها "توت علاّمة" وشجرته اللي تحلف بحلاوته العمر كله.. بس أمك هتنفخك لو روحت هناك.. عشان المكان مقطوع والسكة مسكونة بـ"بسم الله الرحمن الرحيم".

بلدنا فيها كل الحواديت دي، اللي بتطلع ف لمّة حوالين طبلية، عليها لمبة جاز، وانتو متغطيين ف البطاطين، ومكسلين تقوموا تفتحوا للي بيخبط ع الباب.. وإنت -أصغر إخواتك- قاعد بتحاول تشوف ضِلّك ع الحيطة راسم شكل إيه :)

الصورة لـ صامولي شيلكه
فبراير 2103 - منية المرشد

شتا بلدنا (1).. شتا العاصمة السرية

لحد دلوقت، بافتكر وأنا صغير بلدنا في الشتا، ممكن الدنيا تفضل تمطر 4 آيام متواصلة، وقتها كنت بحب أقعد على شباك المندرة، اللي بيبص ع الشارع، وأدلدل رجليا منه، وأبص ع المطرة، والدنيا وهي بتبرق، وترعد.. السما دايما مايلة للون الرمادي، والشمس مغيّمة مش باينة.. بأفضل أتفرج ع الناس وهي ماشية ف الشارع اللي مليان طين، ومية ممكن جزمتك كلها تختفي فيها.

تمللي بافتكر أولاد شارعنا وإحنا بنعمل مراكب ورق ونسيبها ف مجرى المية اللي ماشية ونتنافس على مين اللي مركبه هيسبق 
الكهربا دايما بتبقى قاطعة بالليل، وإنت ماشي ف عز الضلمة والطين والمطرة، تبص ومفيش صرّيخ ابن يومين، تلاقي مية "المزاريب" نزلت ف قفاك، أو رجليك غطست ف بركة مية ودفا رجليك راح ف ثانية..

ولما تروّح البيت، تلاقي إخواتك وولاد عمك قاعدين حوالين الطبلية، ومولعين لمبة جاز، ومتغطيين بالبطاطين، وهم قاعدين بيضحكوا وبيغنوا، وبيحكوا حواديت من تراث البلد اللي عمرك ما شفته.. لا فيه نت ولا كمبيوتر، ولا حتى تليفون يسلّي وحدتكم.. مكنش فيه غير ونس البيت، وضحك الأهل، ونكت الصحاب.


الصورة لـ صامولي شيلكه
Minyat el-Murshid, February 2013